Blog

استبطان الذات والمجموع في “ألواح” رشيد الضعيف

استبطان الذات والمجموع في “ألواح” رشيد الضعيف

الجمعة 12 نيسان 2024 | المصري اليوم، العدد 7242
د. أماني فؤاد

يكتب «رشيد الضعيف»؛ الروائي والأكاديمي اللبناني، سيرةً حياتية روائية، ويعنْونها بـ«ألواح»، وفيها ينسِج السردُ – عبْر معظم فصول السيرة – مشاعرَ الطفولة الفطرية، بغرائزها البدائية غير المعقَّدة، ويسلِّط الكاتب الضَّوء على حكاياتِ ومواقفِ أُسرته الكبيرة، التي سكنَت الجبلَ، في منطقة «أهدن»، وبداخل هذه الأُسرة يتشكَّل دور الأُم محوريًّا ومؤثِّرًا، حيث مقامها الداعم الراسخ لأولادها الثمانية، كيانها المتوحِّد معهم، وخاصة شخصية الكاتب، وتكوينه النفسي.

يصِف الكاتب والدتَه، ويجمَع بينها وبين طبيعته، يقول: «كانت قوية، وصلبة، وصامدة، ودبارّة وصامتة، والتي كانت تُدير بمزاجها، دون كلام، مملكةً بأكملها، لا بيتًا أو عائلة وحسْب.. وكانت قادرة على ذلك، وهي تقوم بأعمال البيت،… لذلك؛ أيْ لأن والدتي على هذه الصفات؛ أنا مقتنع علي الدوام بأن التجارب مهما تقسو عليّ؛ أنا ابنها؛ فلن تنال مِني. لن أنهارَ يومًا. «شو ما صار يصير» لأنني ابنُ أُمي. 17

يحكي عنها في أصعب المواقف، التي يمكن أن تمُر على أُم، ذلك حين أُصيب ابنُها بطلْق ناري، وذهب في غيبوبة من كثرة النزف، يقول: رأت والدتي ابنَها البكر (يوسف) ينزف، وهو على طاولة متحرِّكة؛ فانْدَبَّت عليه، لكنَّ الممرِّضَ وجارَنا السائقَ ردَّاها عنه. والدي لم يتدخَّل. منعاها من الانقضاض عليه، وإعادته إلى البيت سليمًا كما كان قبْل ساعة. منعاها من الانقضاض عليه، وأخْذه إليها، وضَمِّه، والالتصاق به، وتحويل جرحه إليها، يناسبها أكثر أن تكون هي المصابة، أفضل لها ألف مَرَّة. 39

وفي عدد من المواقف – التي تتوالَى في السردية – يشعُر القارئ بصفات الكاتب، التي تُبرز نوعًا من التحدي والجرأة، والقدرة على المواجَهة، وعدم خشية ردود الأفعال، شجاعته حين وقَف وأعلن رفْضه لضحك زملائه، عندما نادَى دكتور (نزار الزين)؛ أستاذ عِلم النَّفْس في الجامعة، اسمَه، وذَكَرَ لقَبَ العائلة: «الضعيف» 13، ومنطقه وهو يحكي عن كمون أبيه للشاب (كامل)، الذي أصاب ابنَه البِكر، ببندقية الرش، إثْر عِراك بينهما، وتسبَّب في بتْر رِجْلِه: الاقتصاص لا مفَر منه؛ حتى لا «يستوطي حِيطنا»، وحتى لا يصبح في مقدور أيٍّ كان الاعتداء علينا ساعة يشاء. 44 ثم يصِف النظامَ العائلي القبَلي بالظلم، بَعد أن حكَم الوجيهُ، الذي يتبعونه، بعدم القتل ثأرًا، أو إقامة دعوى، والقبول بالتعويض، الذي يستحيل أن يقْبَلوه. ولذا شَعَر بأن الشيوعية على حق.

وفي واقعة كَذِبِ الصحفي الفرنسي عليه، وادِّعَائه تصريحات له لم يَقُلْها، حول اضطهاد المسلمين للمسيحيين في لبنان، وردِّه القَوي على أحد مناصري حزبٍ إسلامي جهادي، حين قال له عبْر الهاتف، ودون خشية: أولًا أنت لست المسلمين لتقول لي: «أتظن أن المسلمين لا يُحسِنون قراءة الفرنسية، والمسلمون ليسوا أنت، ثم أنني لن أستجدي رحمتك ببرهان براءتي، بل إنني أتحدَّاك أن تجرؤ على شيء، وأقفلت الخط». 105

كما اكتسبَ الكاتب أيضًا بعضَ صفات الجبل، الذي عاش فيه متماهِيًا مع ارتفاعه وصلابته، وأيضًا مع ينابيعه المعطاءة. فبالرغم من حُب الكاتب لعزْف الناي، تأثُّرًا بجَده، فقد عزَف عنه؛ كراهةَ أن يرمي أحدٌ عليه النقود، رغم احتياج والده لتلك الأموال، وفضَّل صاحبُ السيرة العِلمَ والقِيَم، التي تصون الكرامة الإنسانية، لا مجرد تحصيل الأموال فقط. 52

يقول صاحب السيرة، منذ المقدمة: «لا أحدَ يعرفني على حقيقتي، ولا أنا نفسي أعرف نفسي على حقيقتها».6

هذه الذهنية التوَّاقة إلى المعرفة، واستبطان المعاني، والبَشر من حولها، والوعي بذاتها، تأنف من البداهة والوضوح، وتُعلن رفْضها لوقار الفكر الوثوقي الكاذب، يقول، وهو يصف براءة أُمِّه، وأثَرَ هذه البراءة على تربيتهم: «أُمي مسؤولة أيضًا. أُمي هي التي ربَّتْنا، البراءة مسبِّبة للآلام أيضًا، البراءة مثيرة للغضب، البراءة ليست صِفة منزَّهة بالخالص، كثيرًا ما تكون إصابة، وكثيرًا ما تكون إصابة بليغة».101

يُدرِك صاحب السيرة أن التمايُزَ الواضح، وصرامةَ التحديد، أوهامٌ، ولذا يشعُر المتلقي للسيرة أنه أمام بوْح صادق، حتى لو بدا صادمًا؛ لأنه ينطلق من وعي يجمع المتناقضاتِ، فالقِيَم التي انتخبتها البشرية، كالخير والشر، أو القُبح والجَمال، عادةً لا تقع في الأطراف القُصوَى في السلوك البَشري، بل تتوسَّط المنطق والمنظومة الأخلاقية، ولذا نستشعر أن الروح الكامنةَ داخل السرد تبوح بأدَقِّ مشاعر الكاتب، بوعي عميق، تبوح بطبيعة الحياة، ولن تَهَبَ قارئَها أفكارًا ومسلَّماتٍ يقينيةً؛ بل ستتركه يتساءل حول العالَم والحياة، وذلك لأنها تضع الإنسان والحياة البشريةَ في موضِع السؤال الدائم.

هذه الذهنية تواجِه هشاشة الوجود، ومكْر التاريخ، ومناطقَه القلقة، ومروياته بإعادة الطرح، وعدم الركون إلى المباشَرة، بالبُعد عن تكرار الحكايات الرتيبة والتقليد، بالمرَاوَحة بين العقلانية، والذي يحدُث وكفَى، وذلك بإدراك أن للحياة أبعادًا أخرى تتحكم في مصائرنا، لذا فهي تقاوِم الفكر المبتسِم انتصارًا للجهوزية.

ويشعُر القارئ – في حكْي الكاتب عن فترة طفولته وصباه – بأنه يتحدث عن كتلة بشرية كاملة، الأُسرة بكاملها كيان ملتصِق، بمعنى أنه لا يحكي عن فردانيته إلا نادرًا، يحكي عن نفْسه وإخوته وأُمه معًا، ثم عن هذه الكتلة وأبيه، وهو ما يشي بحميمية الارتباط بين الأُم وأبنائها، بصِلَةٍ خاصة تَهَب القوةَ لكلٍّ منهم، عندما يتحقق الاتصال، ووحدة الموقف، كما يدلِّل على وعي الكاتب بضعف التفرد أمام قوة التعدد، وبراحاته الشاسعة، وفقْر الاقتصار على الأنا أمام غِنَى الآخَر، والوحدة معًا، ويستشف المتلقي هذه المعاني من خلال عِدَّةِ مواقفَ حياتية لهذه الأُسرة، وعِدَّةِ آلياتٍ فنية سردية: فحين يصِف الكاتب المكانَ، حيث البيت الذي جمعهم، وتصميمه؛ تستشعر تَضَامَّ الكتلة، التي تقيم فيه، ووحدتَها، رغم كثرتها.

وحين يصِف حركتَهم، وهم يراقبون المَرَّة الوحيدة، التي خرجت فيها أُمُّهم، حيث دعاها الأب للعشاء في أحد المطاعم بمفردهما، ثم امتناع الأم عن تناوُل وجْبَتِها، وترْكِها لتُطعِمَها لجميع أبنائها، تستشعر وحدتهم معًا، وخيوط المحبة التي تحرِّك كتلتهم في محيط واحد، مهما خرَج أحدهم من الدائرة، وكما يستمِدُّون تماسُكَهم من أُمِّهم «ياسمين»، وتستمد هي الأخرى قوَّتَها منهم، حتى من قبْضها على زِند ابنها المصاب، الذي ينزف.40

كما يرافق الكاتبُ أباه، بَعد حادثة بَتْرِ رِجْل ابنه البِكر (يوسف)، فيقول: «عندما وقعت الحادثة، وبُتِرت رِجْل أخي؛ بَقِىَ والدي أيامًا عديدة لا يستطيع الاستقرار على كرسِيِّه أكثر من دقائق، كان يمشي بدون هدف، ويغيب في الحقول، حول البلدة.. كان والدي يُطْرِق إلى الأرض، ويمشي دون أن ينطق بكلمة، وكان وجْهُه متجهِّمًا، كان متفحِّمًا، ليس لأنه أهمل لِحيتَه وترَكَها تطول بلا ضابط أو خطة أو هدف؛ بل لأنه كان مطفَأ، كان وجْهُه مطفَأ، لم يَعُد في عينيه نور». 45، 46

من السمات المميَّزة في هذه السيرة – رغم صدورها 2016 – أن مشاعر صاحب السيرة تجاه المواقف والبَشر تصل للقارئ، وكأنها قد حدَثت للتوِّ، وأن الكاتب حين شرَع يدوِّنها؛ عاد طفلًا وصبيًّا ليكتبها، خاصة حين يحكى عن الرجُل الذي أُعجبت به أمه، فيشعر المتلقي أن كل هذه المشاعر وردود الأفعال له ولإخوته لا تقع لحظة كتابة هذه السيرة عام 2015؛ بل قبْلها بعشرات السنوات، حيث تنقُل روحُ السرد مشاعرَهم وهُم صِبية، زمن وقوع هذه الأحداث؛ أيْ قبْل وصول الكاتب لنُضجه الفكري واستيعابه لحالات البَشر المعقَّدة.

ورغم قرار الكاتب البُعد التام عن النضال، بعد الخيبات التي شَعَر بها بعد الحرب الأهلية في لبنان عام 1975، وشَكِّه في كل القضايا السياسية والأفكار الفلسفية، وبالطبع تساؤلاته حول التعددية الطائفية والعِرقية، التي يتشكَّل منها المجتمع اللبناني، واختلاف الديانات، والتَّبِعات التي تنشأ جرَّاء كل هذا التنوع والصراع والتناحُر، فإنه – وهو في معرَض حديثه عن ذاته – يصوِّر انعكاساتِ كُلِّ هذا التعدد على الأفراد والمواطنين، بما يتضمَّنه هذا الاختلافُ من صراعات تنشأ دومًا مع الآخَر المختلِف، يقول: «لي أعداء ينبتون بلا توقُّع، فجأة، ويطلِقون عليّ حِقدَهم؛ فيصيبونني أو أنجو بلا إصابة، ولكن نادرًا ما أنجو بلا أثَر، أعداء ينتصبون فجأةً أمامي من لا شيء، من زِفت الطريق، من مبنًى متهاوٍ، من مبنى أثري، من بُرجٍ قَيْدِ البناء، من كراسي الأمكنة، من نِسمة هواء، من عاصفة متوحِّشة، من ظِل شجرة، من غصنٍ طريّ، بل إنهم يبرزون من نظرة، من رِقَّة حبيب، أو إخلاص صديق، وكثيرًا ما يَخرُجون من جيبٍ تحت جِلدي أنا بالذات.6

لا يقتصر حديث الكاتب عن الآخَر المختلِف الخارجي فقط؛ بل يُشير لصراعاته الداخلية مع ذاته، من فلسفته ورؤاه، التي لا تستقر على حال أو يقين، ومن ثم الأعداء الذين يَخرُجون منه. ولعلنا نلحظ استخدام الروائي للمجاز والرمز والكنايات؛ لبلْوَرة انعكاسات الواقع السياسي الاجتماعي الثقافي على الإنسان في المجتمع اللبناني، دون أيّ استعراض خَطابي أو فلسفي، ودون مواجَهة مباشِرة تخصِم من آليجورية فن السرد، كما يمكن أن تضُرَّ الكاتب في وطن متعدِّد البِنَى المجتمعية الثقافية.

رابط المقال