السبت 29 تشرين الثاني 2025
رانيا يونس
تأتي رواية ندم إبليس للكاتب رشيد الضعيف من فرضية تخيلية جريئة: بعد طرد آدم من الجنّة، يندم إبليس ويعتذر، متعهداً بأن يخصِّص لكل إنسانٍ جنّيًا يرافقه ويرعاه حتى الموت، لكنّ أحفاد إبليس يتمرّدون، ومن هذا التمرّد يتوالد عالم الرواية وشخصياتها وعلى رأسها الطفل رَماعيل، الذي يولد واسمُه مكتوب على جبينه بحرف لا تقرؤه إلا أمّه، في عالم يتداخل فيه الغيب بالمرئي، والأسطورة باليومي المألوف.
أولاً: من إبليس النصوص التراثية إلى إبليس المتخيَّل
لا تكتفي الرواية باستعارة شخصية إبليس كرمز تقليدي للشر، بل تعيد تركيبها ضمن لعبة تخييلية معاصرة. إبليس هنا ليس مجرّد عدوٍّ مطلق، بل كائن قادر على الندم، وعلى الدخول في تفاوض مع الإنسان وربما في “عَقد” معه، قبل أن يخرج الأمر من يديه لصالح نسلٍ متمرّد من الجن.
هذا التحويل من إبليس “العقائدي” إلى إبليس “السردي” يفتح باب قراءة الرواية كنوع من التفكير في الشرّ لا تكريساً لرواية دينية بعينها. فـ”ندم” إبليس نفسه يربك القارئ:
هل هو ندم حقيقي أم تكتيك جديد للهيمنة؟
وهل تمرّد أحفاده عليه يعني أن الشرّ لم يعد مركزياً، بل أصبح منتشراً ولا مالك له؟
بهذا المعنى، ينجح الضعيف في نقل النقاش من “إبليس ضد الإنسان” إلى سؤال أكثر تركيباً: ماذا لو أصبح الشرّ بنيوياً، موزّعاً على عوالم مختلفة، لا يمكن اختزاله في كيان واحد يسهل لعنه وتبرئة النفس منه؟
ثانياً: رَماعيل… الجسد بوصفه مخطوطة غيبية
يختار الكاتب أن يحمّل الطفل رَماعيل عبء الحكاية: جسد صغير يحمل علامة غير مرئية إلا للأم، ويتحوّل إلى ساحة صراع بين عالمين. اختفاء رماعيل فجأة، وظهور جنّي يتقمّص صورته ليتسلل إلى قلب أخته الرضيعة، يضاعف من دلالات النص على مستويات عدّة:
1. الجسد ككتاب…
يتعامل النص مع رَماعيل ككتاب يُكتب ويُمحى ويُعاد كتابته؛ جسد الإنسان يصبح صفحةً يدوّن عليها الجن والقدر والمجتمع نصوصهم المتعارضة، في حين تحاول الأم وحدها قراءة ما لا يُقرأ.
2. الأم كحاسة سادسة روائية
الأم هي الشخصية الوحيدة التي تشعر بأن شيئاً غريباً يجول في البيت. هذا الإحساس الأمومي ليس مجرد تفصيل عاطفي، بل أداة سردية تمنح الرواية ما يشبه الرادار الداخلي القادر على التقاط الارتجاجات الخفيّة في الواقع. الأم هنا ليست شخصية ثانوية بقدر ما هي ضمير الحكاية الذي يتلمّس انزياح الإنسان عن ذاته.
3. الطفل – الأخ – الأخت: مثلث البراءة المستباحة
تقمّص الجنّي صورة رَماعيل للدخول إلى قلب أخته الرضيعة يقدّم شكلًا من الاختراق الحميمي: ليس عبر الحروب أو الدم، بل عبر الأسرة نفسها. كأن الرواية تقول لنا أن الشر الحقيقي اليوم لا يأتي من الخارج، بل من المساحات الأكثر حميمية والأقرب إلى القلب.
ثالثاً: بين الأسطورة والواقع…
تُبنى الرواية في منطقة رمادية يتقاطع فيها الموروث الأسطوري مع تفاصيل الحياة الحديثة. يصف الكاتب عالمها بأنه عالم يختلط فيه الأسطورة بالواقع، وهذا صحيح على مستوى البنية لا الموضوع فقط.
فالمكان مبهم: تُستعاد جبال ما يُسمّى اليوم اليمن أو لبنان أو الهند، في إشارة إلى أن الحكاية يمكن أن تحدث في أي مكان، وأن الشر ليس جغرافياً ولا قومياً.
والزمن بدوره مطاطي؛ يبدأ من أخبار الأولين، لكنه ينزلق بسهولة إلى أسئلة معاصرة حول السلطة والمعرفة والذنب.
هذا المزج لا يُستخدم لمجرّد إضفاء فانتازيا على النص، بل لطرح سؤال مهم: هل الأسطورة شيء مضى وانتهى، أم أنها طريقة تفكير مستمرة نستخدمها لفهم ما يحدث لنا اليوم؟
في ندم إبليس، تبدو الأسطورة كأرشيف مفتوح، يعود إليه الكاتب لينتقي منه عناصر يعيد تركيبها، لا ليعيد إنتاج الماضي، بل ليستفز الحاضر.
رابعاً: أسلوب السرد بساطة واشتغال على الإيقاع
اعتمد رشيد الضعيف على جمل متوسطة وقصيرة، إيقاع سردي سلس، وتجنّب للتزويق اللغوي لصالح سرد متدفّق. يراهن على الفكرة والصورة لا على البلاغة التقليدية.
لكن يمكن لهذه البساطة اللغوية أن تخفي:
تداخل مستويات الحكي: بين الراوي العارف، وأصوات الحكاية القديمة، وأصوات الشخصيات.
توظيف الإيقاع كأداة توتر: إعادة بعض الجمل، والمشيئة في الزمن (ثم إن الزمن مضى. وسال وقت كثير في وديان الأرض ومجاريها…) تمنح النص نبرة نصّ قديم يكتبه راوٍ معاصر.
خامساً: أفكار أساسية – الذنب، الوصاية، والتمرد
تقدم الرواية ثلاث أفكار أساسية:
1. الذنب وشرعية الندم
هل يكفي الندم لمسح الجريمة الأولى؟ إبليس يندم، لكن الندم لا يُصلح ما أفسدته الخطيئة الأولى؛ فالعالم الذي نحياه – عالم رَماعيل وأمه – لا يصبح أفضل بمجرد اعتذار الشرّ الأكبر. هنا تلمح الرواية إلى عجز الاعتذار الرمزي عن ترميم واقع يزداد تعقيداً مع مرور الزمن.
2. الوصاية على الإنسان
فكرة تخصيص جنّي يرعى كل إنسي حتى وفاته، يمكن قراءتها كاستعارة عن كل الأنظمة التي تدّعي حماية الإنسان بينما تراقبه وتتحكم بمصيره: السلطة السياسية، السلطة الدينية، السلطة التقنية التكنولوجية اليوم… كلّها جنود إبليس في ثوب جديد. السؤال الذي تقترحه الرواية:
هل حماية الإنسان تعني بالضرورة التحكّم به؟
3. التمرد كقدر متكرر
تمرّد أحفاد إبليس على عهد جدّهم يذكّرنا بأن التمرد ليس حكراً على الخير، بل قد يكون داخل الشر ذاته: الشر يلد شرّاً جديداً أكثر تمرّداً وتعقيداً. بذلك، لا يعود الشر ثابتاً، بل يتطوّر ويتكيّف، وهذا يفتح باب قراءة الرواية كتشخيص لعالمنا المعاصر، حيث لم يعد من السهل تمييز الجاني من الضحية.
سادساً: بين المتعة والأسئلة المقلقة
تقدّم الرواية مزيجاً بين حلاوة الحكاية ومرارة الأسئلة. يمكن أن يتعاطى معها القارئ كقصة غرائبية مشوّقة عن الجنّ والإنس، ويمكنه أن يغوص في طبقاتها العميقة ليرى فيها تأمّلاً في فكرة الشر الجماعي، ونقداً مبطّناً لفكرة التبرير عبر الأسطورة: نُسند كل شيء إلى إبليس لنتهرّب من مسؤوليتنا، فإذا ندم إبليس وبقي الخراب كما هو، فمن نلوم بعد الآن؟
هنا بالضبط تكمن قوة الرواية: أنها لا تعظ القارئ، بل تضعه في مواجهة أسئلته الخاصة، وتترك له مهمة تأويل علاقة رَماعيل بالعالم وبالغياب وبالأثر غير المرئي الذي يحمله. وفي النهاية، يمكن القول أن ندم إبليس ليست رواية عن الجنّ بقدر ما هي رواية عن إنسان يحاول أن يجد تفسيراً لشروره. يستثمر رشيد الضعيف التراث الأسطوري لطرح أسئلة معاصرة حول الذنب، والوصاية، والتمرد، ويستخدم لغة بسيطة الإيقاع، غنية الدلالة، ليخلق نصاً يمكن قراءته كحكاية ممتعة أو كمرآة فلسفية سوداء تعكس هشاشتنا أمام القوى التي ندّعي أنها خارجنا، بينما هي في العمق جزءٌ منا.