Blog

لبنان.. الساحرةُ والألفُ وجْه

لبنان.. الساحرةُ والألفُ وجْه

من النسخة الورقية، العدد : 7298

الجمعة 7 حزيران 2024
د. أماني فؤاد

حين تَعشق قبْل أن تَرى؛ فأنت تسافر باحثًا عن البلد الذي سكَنَ وعيَك وذاكرتك طويلًا، حيث تعدَّدت زياراتك له مع كل كتاب ورواية، مع كل قصيدة وقصة وأغنية، يسكنك وتتنفَّس أنسَامه قبْل أن تهبط طائرتك على أرضه لأول مَرَّة، فلطالما رافق يومك وعطر صباحاته بشدو فيروز السماوي، قيثارة الشرق الأثيرية التي تقول: «لبيروت مِن قلبي سَلام، وقُبل للبحر والبيوت، لسهرة كأنها وجْه بحَّار قديم، هي من روح الشعب خمْر، هي من عَرَقه خبْز وياسمين، فكيف صار طعمها طعم نار ودخان».

تحبه وتشعر بخصوصيته حين تصدح ماجدة الرومي: «سِت الدنيا يا بيروت»، وتتبارَى صباح ووديع الصافي بشدو مواويل تراثه الغنائي، تشعر أنك جُبت شوارعه وضواحيه بخيالك، طُفت بمخيماته وجباله وسفوحه، مع (إيليا أبو ماضي) و(جبران خليل جبران) و(إلياس خوري) و(غادة السمان) و(رشيد الضعيف) والكثيرين، استمعت لمبدعيه ومثقَّفيه وإعلامييه، وناقشتهم في مقاهي شارع الحمراء، استمتعت بجَمال طبيعته في مجموعة من أجمل مَشاهِد السينما المصرية.

بمجرد أن تطأ قدماك أرض لبنان؛ تتلمس خُطى مفكريه وشعرائه وكُتَّابه، لتتردد في ذاكرتك أبيات سعيد عقل في وصْف لبنان حين يقول: لي صخرة علَقت بالنجم أسكنها/ طارت بها الكتُب قالت: تلك لبنان.

حالفني الحظ في سفرتي الأولى للبنان؛ حيث كانت لإلقاء ورقة نقدية ضمن تكريم الأكاديمي والروائي الكبير رشيد الضعيف، بدعوة من جمعية (فيحاؤنا)، وفيحاؤنا تجمُّع يربو على عَشْر جمعيات أدبية مَعنية بالثقافة والفنون، وهي مبادرة فعَّلها مثقَّفو لبنان بإرادة وإصرار؛ للاحتفال بطرابلس مدينة للثقافة العربية المحتَفَى بها هذا العام، حيث حَكَت لي د. زهيدة درويش عن سَعْي المثقَّفين وجمعيات المجتمع المدني لسَد الفراغ، الذي تقاعَست عنه وزارة الثقافة في لبنان، وإصرارهم على إقامة الفعاليات الفكرية والثقافية؛ لتَظَل لبنان مشِعة بمبدعيها ومثقَّفيها، ودون تخَلٍّ عن دورها الفني والثقافي.

بعد الندوة سعدت بزيارة مدينة زاغرتا، بدعوة من عائلة الكاتب د. رشيد الضعيف، فحظَيت بصُحبتهم الممتعة، أنسي ولبيبة وموريس وبشرى وعبير وريتا، وكل قبيلته التي تعرَّفت عليها قبْل رؤيتهم في رواياته، في سيرته «ألواح» ونَصِّ «عزيزي السيد كواباتا». نقترب أكثر من المدن ونشم روائحها، ونتعرف عاداتِ أهْلِها من طقوس موائدهم وأصناف طعامهم، من حواراتهم، ومدى حميمية علاقاتهم، وملامح بيوتهم، وقْتها نتلْمس نبْض البَشر اليومي، وهو ما لا نشعر به في الفنادق مهما طال بنا المقام.

في الرحلة الصاعدة إلى الجبل من «زغارتا» إلى مدينة «إهدن» أجمل مصايف لبنان، طَلَبتُ – من د. رشيد الضعيف – مشاهدة مكان أحداث سيرة «ألواح»، وددت لو قارنت بين المكان الواقعي والروائي، وهناك لمست بعينَي كيف يلوِّن السردَ مادية الواقع، في بيت العائلة الأثري، غامت الفواصل بين الحقيقة والخيال، تبخَّرت، شعرت كأنني أخطو بين صفحات الرواية، أشاركهم أحداثهم التي وقعت منذ سبعين عامًا أو أكثر، خُيِّل إليَّ أنني لمحت طيفَ والدتهم ياسمين، من وراء إحدى النوافذ، كان أن أشار الكاتب إلى حارة صغيرة تُحاذِي بيتَهم القديمَ، وقال: «هنا كانت أمي تجلس كل يوم؛ لتغسل ثيابنا الملوَّثة بالشحم، هنا كنا نلعب، وهنا المطعم الذي حدَثت فيه واقعة إصابة أخي يوسف، وما ترتَّب عليه من بتْر رِجْله».

في هذه المواقع شعرتُ أن الأدب مقاوَمة ناجزة للضياع والتلاشي، ودفعًا متعمَّدًا لعيش الإنسانية الرفيعة. مرَرْنا في الطريق بطاحونة أثرية بجوار النهر؛ لتحتل فيروز الخلفية على الفور وتشدو: «كان عنَّا طاحونة عَ نبْع المَي»، تتفتَّح مسام الروح، وهي تشاهِد ما طربت له سنوات العمر، وتحلو الرحلة حين تمتد النقاشات الثرية، يقول د. رشيد الضعيف: حين تقارنين بين فيروز وأم كلثوم؛ تشعرين مع الأولى بتراتيل وأغاني الفلاحين والمُصَلِّين في الضياع والحقول ودور العبادة، تلمسين الفطرة وطفولة المشاعر، في حين يتبدَّى في فن أم كلثوم نُضجُ المدينة، وتشابُك العلاقات بين الأحِبة وتعقُّدها، النضج الذي يتبدَّى في الكلمات والألحان، حتى طريقة أدائها ووقْفتها ذاتها.

تنطلق فَراشاتك كلَّما صعدت لأعلى الجبل، وشاهدتَ الطبيعة بضِياعها المتدرِّجة؛ تتسع الجبال والتلال من حولك، وتتعدد الينابيع، ويأخذك هديرها المثير، وكلَّما صعدتَ وهَوَتْ عيناك إلى الأسفل؛ تعجَّبتَ وشعرت بالرهبة، حيث السفوح الممتلئة بالأنهار الصغيرة، وتجمُّعات البيوت البيضاء، بأسقُفها القرميدية الحمراء، الساكنة وسط الطبيعة بكل صعوبتها وتنوُّعها وثرائها، وتعدُّد عناصرها وأشجارها.

كنت كلَّما تأملتُ البيوت على مدرَّجات هذه الجبال، وكلَّما صعدت السيارة على هذه الطرُق المتعرِّجة، الضيقة والحادة، الصاعدة لأعلى من 1700 متر فوق سطح البحر؛ كلَّما داخَلني العجب، كيف للإنسان تذليل هذه الطبيعة، وترويضها للسَّكن والزراعة والعيش، كيف عمَّر القساوسة الأوائل تلك الجبالَ والسفوح! وانتابتني مشاعر متباينة بين الرهبة من الجبال الشاهقة، التي لم تَزَل الثلوج البيضاء تكسو قِممها، وهذا الغيم الرمادي الذي يحوطها، وتلك السماء القريبة الشاسعة في منظر بديع.

المشهد الذي يدعوك لإقامة حوار مع هذا الوجود المنفتح على السماء، والمتَّصِل بها بشكل ما، فتشعر باتحادك مع هذا الكون، وتوزُّعك في روح موجوداته، تتساءل بينك وبين ذاتك، كيف تآلَف كل هذا الغِنى الطبيعي، كيف تتدفق هذه الينابيع الهادرة من قلْب الصخور، كيف لشلالاتها أن تبدِع إيقاعَها الخاصَّ، ثم كيف لهذه الجبال أن تلِينَ إلى أن تصبح أنهارا صغيرة في السفوح؛ ليتشكّل بساطًا أخضرَ يكسو المشهد جميعه، ويزداد هذا السحر حين تتبدى غابة الأرْزِ المقدَّسةُ، كيف استطاع الإنسان أن يروِّض هذه القسوةَ، ويتغلَّب عليها ويجلوها في أبهى صوَرها.

حين سألَتني المبدعة التشكيلية والكاتبة خيرات الزين عن انطباعي حول لبنان؛ أخبرتُها مباشَرة أنَّ أهَمَّ وأجمَل ما في لبنان الإنسان، اللبناني الذي تحدَّى الصعوباتِ، واستطاع ترويضَ هذه الطبيعة، وعمَّر هذه الجبالَ العالية والأودية السحيقةَ، العقول التي تأمَّلت هذا الكونَ الثريَّ، وتفاعَلت معه، وحدَّدت موقِعَها ضمْن منظومته، الإنسان متَّسِع الآفاق الذهنية، الذي انفتح على التعدد الديني والثقافي، وتعَايَش معه.

كان ما رأيته في متحف (جبران خليل جبران) بمدينة «بشري» القريبة من «أهدن»، وهذه الطبيعة من وراء إجابتي، علاقتي بـ(جبران) بدأت منذ الثالثة عشْرة من عُمري، حين شرعتُ أقرأ أعمالَه، وكنتُ كلَّما نضجتُ واتسعَتْ قراءاتي وثقافتي؛ أكتشف ما لم أستوعبه في قراءاتي الأولى لهذا المبدع الكبير، اكتشفتُ في متحفه، الذي يضُم مكتبتَه ولوحاتِه وبعضَ متعلَّقاته الشخصية ومقبرته، اكتشفتُ التشكيلي المفكِّرَ، الذي أبدع بالفُرشاة رؤيتَه الخاصةَ لهذا العالَم، فلقد أكملتْ لوحاتُه المعبِّرةُ ما كان يقوله بالكلمات، فوقها كثَّف العلاقاتِ المتداخِلةَ بين الإنسان وفِكرة الإله وتلك الطبيعة الهائلة التي عاش بين أرجائها، عاشَ هُنا؛ فكان انفتاحه على السماء، وتعلُّقه بغَيمها وقِممها الصخرية من وراء رؤيته الخاصة لقُدرات الإنسان، من وراء تبدُّد كل الأفكار الموروثة والجدل معها، تلاشت أمامه مع ذوبان ثلوج القِمم الشاهقة.

في لوحاته تتبدَّى علاقته بالمرأة ومركزيتها في رؤيته للحياة، وتتشكَّل رؤيته للكثير من أساطير الخلْق، فيخرُج من الجسد الإنساني الواحد المحوري العديدُ من الأذرع والأقدام، في إحدى اللوحات. وفي أخرى نُطالِع الرجُل والمرأة وخلْقًا جديدًا في كتلة واحدة رغم تمايزها، الجسد المثالي في مواجهة هذا الوجود، حين يطاوِل الغَيم الذي يكلِّل الجبال الشاهِقةَ.

وفي الكثير من لوحاته، لاحظتُ تعدُّدَ الأقنعة، وهو ما يشير لرؤيته للطبيعة الإنسانية ذات التناقضات المتعايشة والمتصارعة معا.

حين تخرُج من متحف جبران؛ تتساءل: هل الطبيعة والجغرافيا هي من تشكِّل البَشر وطبائعهم ورؤاهم للحياة، أم أن البَشر وحدهم من باستطاعتهم ترويض الطبيعة بكل صلَفها ورعونتها، تتساءل أيضًا عن ضرورة التعايُش ومدى ما نبذُل لنحققه؟!

يقول نزار موجِّهًا حديثه لبيروت: ماذا نتكلم يا بيروت.. وفي عينَيك خلاصة حُزن البشرية، وعلى نهدَيك المحترِقَين.. رماد الحرب الأهلية، ماذا نتكلم يا مروحة الصيف، يا وردته الجورية، من كان يفكر أن نتلاقى…، من كان يفكر أن تنمو للوردة آلاف الأنياب؟

دائمًا ما يلمس نزار وتَرَ الحقائق العارية؛ ففي الوجْه الآخَر لبعض مدن لبنان نلمس الحزن على الوجوه، وآثار الحرب وصراع الطوائف، نلحظ بؤس البعض والفوضى، تعجبت من سماء البلد الجميل، وهي مقطَّعة الأوصال، بشبكة لا تنتهي من أسلاك الكهرباء التي تشوِّهها؟ كيف تبدَّل الحال إلى هذا القُبح، عدا أكوام القمامة؟.

تحزن أيضا من زحام طرابلس، وفوضى الكورنيش وفقْره، يحكي اللبنانيون كم تغيَّرت المدينة بعد الحرب الأهلية، منذ ثمانينيات القرن الماضي، كيف ازدادت فوضاها حين عزَّت الاستثمارات بعد الحرب، وازداد الأمر سوءا بنزوح السوريين إليها.

في بيروت تقف طويلا أمام المرفأ، ويتنازعك الحزن والأمل معًا، الحزن على لبنان، كيف ابتُلِيت بمَن يسرق حُريَّتَها وجَمالها وثراء تنوُّعها، من يجعل منها ساحة صراع ضمن ساحات لا دولة تمتلك تحديد سياساتها، من يضَعها في مواجهة فُوَّهة مدْفع مشرَع دائمًا. ليطفوَ الأمل حين تلمَح إصرار البَشر على محْوِ آثار الدمار والحرائق والموت، وأن يستبدلوا الخراب بالحياةَ والتشييد والإصرار على التحدي.

رابط المقال